تحت سامي إشراف السيدة الفاضلة "ليلى بن علي" رئيسة منظمة المرأة العربية التأم أيام 15-16-17 أفريل 2010 بنزل تاج مرحبا بسوسة مهرجان المبدعات العربيات في دورته الخامسة عشرة حول موضوع : "الحداثة في إبداعات المرأة العربية".
وبهذا الإشراف كانت هذه الدورة متميزة لما يوفره من دعم أدبي للملتقى.
وقد اعتمدت أشغال الملتقى ركنين كبيرين ندوة علمية ونشاطا ثقافيا موازيا تحقق بمشاركة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم والنيابة الجهوية للإتحاد الوطني للمرأة التونسية بسوسة واشتمل على معرض للفنون التشكيلية لطلبة المعهد العالي للفنون الجميلة و طالبات مقيمات بالمبيت الجامعي الياسمين بحمّام سوسة وأمسية شعرية ومنبر حوار حول "التربية الفنية ودورها في تنمية ملكات الناشئة، وسهرة موسيقية.
وتوزعت أعمال الندوة على سبع جلسات علمية اختتمها السيد البشير التكاري وزير التعليم العالي والبحث العلمي وافتتحها رسميا السيد عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة والمحافظة على التراث الذي بيّن مفاهيم الحداثة التونسية وأسسها في فكر الرئيس زين العابدين بن علي وأوضح ثمار المشروع الحداثي التونسي مبرزا بصفة خاصة التطور الكبير الذي شهدته المرأة التونسية في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية مكتسبة بذلك وعيا عميقا بذاتها وبمسؤولياتها جعل منها الركن الأساسي في الحداثة التونسية".
وقد اعتمدت الندوة خمسة مجالات كبرى تمثلت في البحث عن أثر الحداثة وتجلياتها في إبداع المرأة العربية في الأدب شعرا ورواية ونقدا وفي الفنون التشكيلية والموسيقى والمسرح والسينما وتضمنت26 مداخلة توزعت مابين دراسة علمية وشهادات شاركت فيها إلى جانب ثلاثة مثقفين نخبة من المبدعات من تونس وثلاثة عشر بلدا عربيا وكان لهم في الملتقى فرصة للتحليل والحوار وتداولوا حسب الترتيب التالي :
1- حاتم بن عثمان : تونس
2- زهير جبور : سوريا
3- نوال مصطفى : مصر
4- هاديا سعيد : لبنان
5- فريال بوحديبة : تونس
6- سلوى الشودري : المغرب
7- نجوى القسنطيني الرياحي : تونس
8- زهراء المنصور : البحرين
9- آمال موسى : تونس
10- رزان نعيم المغربي : ليبيا
11- بروين حبيب : الإمارات العربية المتحدة
12- فاطمة العلي : الكويت
13- فاتن شوبة : تونس
14- مها بنت عبد الله السنان : السعودية
15- درة بوزيد : تونس
16- منى الجمل سيالة : تونس
17- ونّاسة النصراوي : تونس
18- فاطمة سالم الحاجي : ليبيا
19- فوزية العلوي : تونس
20- بسمة محمد النسور : الأردن
21- فوزية المزي : تونس
22- فضيلة حشماوي : الجزائر
23- إبراهيم عسيري : السعودية
24- لبانة قنطار : سوريا
25- عائدة شليفر: العراق
26- سنيا الشامخي : تونس
وقد شفعت كل جلسة من المداخلات بنقاش حر مستفيض غالبا ما توجته المقترحات والتوصيات وقد إهتمت المداخلات بمحاور من أبرزها :
- استقراء الحداثة في التصور العربي والسعي إلى تحديد مقوماتها المفهومية وتجلياتها الواقعية والنظر في مدى إنسجامها مع الحداثة الكونية.
- تجليات الحداثة في إبداعات المرأة العربية هل كانت إختيارا واعيا ونهجا فنيا مقصودا أم أنها تبعية مفروضة أنتجتها مؤسسات النظام الكوني الجديد.
- ماهي أبرز ثمار الحداثة في النسيج الإبداعي النسوي في مجالاته المختلفة ومنها الأدب والموسيقى والمسرح والرسم والسينما وغيرها؟
- ماهي مرجعيات ثمار هذه الحداثة الإبداعية العربية؟ أهي التراث وأصالته أم الغرب وثقافته؟ وأخيرا ماهي آفاق هذه الإبداعات الحداثيّة النسويّة ومن هو جمهورها؟
وإنتهت الأشغال والنقاشات إلى تجلية جملة من التحديدات المفهومية والأفكار كان الإتفاق حاصلا على أغلبها :
- أن الحداثة مفهوما وممارسة قد نشأت في العالم الغربي وسافرت منه إلى الشعوب الإنسانية لتكتسب بعدا كونيا. وأن المصطلح العربي هو مقابل دلالي لمفهوم La modernité الفرنسي وأن تجليات الحداثة في الواقع العربي تتجاوز دلالات المصطلح ذاته وتتخطى حدوده.
- أن الحداثة نمط في إنتاج الحضارة يقوم على سيادة الإنسان ومسؤوليته في تقرير مصيره في حرية مطلقة من قيود التقاليد والموروث اعتمادا على تشكل دائب للصيرورة الاجتماعية في تفاعلها مع الزمان والمكان فتخضع الوجود إلى العقل والتبصر وتربأ عن إخضاعه إلى قواعد وقوانين ثابتة متوارثة عن أجيال الآباء والأجداد.
- أن المجتمعات العربية ترددت في علاقاتها بالحداثة بين داعية إلى تبنيها بحلوها ومرّها وبين رافض مواجه لها ومنغلق في ماضيه وبين من يسعى جاهدا إلى توازن واعتدال يفجران طاقات الحداثة للدفع بالإنسان العربي إلى الرقي الدائب بحيث تكون الحداثة حركة واعية بالتحول عن السابق دون الانفصام عنه.
- اعتبار قضايا الحداثة وتجلياتها هي قضايا الإنسان في المجتمعات العربية تتجاوز المرأة مفردا وتتجاوز الذات لتدرك "الإنسان" في سعيه إلى فعل حر يبني وجودا أمثل.
- تأكيد موقع الذات الفردية "فضاء" يتسع للمشترك الإنساني ومجالا للتحرر الشخصي ودعم قدراتها على تحويل الموروث إلى منبع الإبداع المتجدد وتجاوز القيود الكامنة فيه باستبدال المواضعات القديمة بمناهج فنية تنشئها الذات المبدعة.
- أن تجليات الحداثة في إبداعات المرأة العربية ثرية متعددة بتعدد هواجس الذوات الإبداعية وتجربتها وجرأتها الاجتماعية وتنوع مجالاتها وهياكل تعبيرها سواءا كانت بالكلمة أو بالصورة المرئية أو بالحركة المتجسدة بتبني دائما قيما متجددة وجماليات مستحدثة وأجناس تعبيرية مبتكرة.
فالحداثة بصفتها منظومة قيمية تنتصر للفرد وتؤسس لحريته هي عند الشاعر وعند الشاعرة خاصة انخراط قيمي ونهج جمالي في الحداثة يزاوج بين الإفصاح عن أسرار الذات الفردية وتعريتها وبين إعادة تشكيل الذات الجمعية وتغيير أوضاعها ومواضعاتها.
وهي في الرسم انفجار لطاقات ذاتية راكنة بتأثير التحولات الواقعية ولادليل أحسن على ذلك من تزامن مدرسة باريس للرسم مع مدرسة تونس.
أما في المسرح والرواية والسينما وغيرها من أنماط التعبير فإن التزاوج بين المقتبس وهواجس الذات الإبداعية قد أقر خصوصيات طريفة.
وهكذا اتضح أن الحداثة حركة إنسانية تؤمن بالمستقبل الإنساني وتسعى إلى بنائه في إطار الحرية المسؤولة وأن الفعل الحداثي سواء كان في مجال المواضعات القيمية أو التعبير الفني بمختلف أجناسه هو شاهد على التحول الدائب في الزمن.
واعتبارا لكل ما سبق فإن المشاركين والمشاركات في الملتقى قد انتهوا جميعا إلى تحديد توصيات نجمل بعضها في ما يلي :
1- التوصية الأولى : الدعوة إلى مواجهة العوائق والصعوبات التي تحول دائما دون حرية الذات الإبداعية لدى المرأة العربية ومنها ماهو قيد ذاتي وماهو قيد غيري نفرد بالذكر منها :
- مراعاة المبدعة لأفق انتظار المتلقي سواء بالارتكان إلى الذائقة الجمالية السائدة أو الانخراط في المواضعات النسويّة فنية كانت أو اجتماعية.
- اختلاف هامش الحرية التي تتمتع بها المرأة في المجتمعات العربية واسترسال تعرضها إلى الانتهاكات الاجتماعية التي تسعى أحيانا إلى حرمانها من تقرير مصيرها والإصداع برؤاها في مجالات الإبداع أو حتى في أخص خصائصها مثل مسألة الزواج بالقاصرات .
- سعي الإعلام وخاصة المرئي إلى استغلال صورة المرأة والاقتصار عليها مع تهميش كيانها الاجتماعي وذاتيتها الفردية وأبعادها الإنسانية وإبداعاتها الفنية.
2- التوصية الثانية : الدعوة إلى صيانة كرامة المرأة والقطع مع المنوال "الشهرزادي" لأن كرامة الرجل من كرامة المرأة وكرامة الإنسان لاتكتمل إلا بهما معا في أي من مجتمعات الكون.
3- التوصية الثالثة : مزيد الإستثمار في القطاعات الثقافية ودعم ثقافات الصورة المرئية وبعث قنوات ثقافية تعنى بترويج الثقافة الحداثية ونشر قيمها والتصدي إلى التيارات الساعية إلى اغتيال إنسانية الإنسان بتكبيل ملكات الإبداع الحرة فيه وتجميد كل توق إلى الحركة والحياة وفي مقدمتها تيارات الرجعية والسلفية.
4- التوصية الرابعة : دعوة المثقفين والمثقفات إلى مزيد العناية بمشاغل الحداثة وقيمها وبعث تيارات فكرية حداثية تستند إلى الجرأة وتتوسل بالتصدي والمواجهة وتبعث حركات فكرية جديدة مجددة تستلهم القيم الإنسانية وتستأثر بالريادة الفكرية.
5- التوصية الخامسة : ضرورة ربط الحداثة بالتنمية المستدامة من أجل خلق تراكم حداثي مسترسل عبر الأجيال وإرساء قنوات التبادل بين الإبداع الحداثي العربي اجتنابا لسيطرة السوق على الإبداعات الحداثية مكتوبة كانت أو مسموعة أو مرئية.
6- التوصية السادسة : دعوة المثقفين والمثقفات إلى الحرص على تزاوج المنتجات الثقافية وبناء الجسور بين الأنماط التعبيرية والاختصاصات المختلفة والسعي إلى الاستفادة بكفاءة واقتدار من وسائل التبليغ المعاصرة حتى يعرف الإبداع الحداثي الرواج والانتشار ويجتنب غربة الانزواء والتهميش والإنتباه إلى خطورة دور الإعلام المرئي في نشر الثقافة الحداثية أو قمعها.
7- التوصية السابعة : دعوة المبدعة العربية إلى القطع مع الرقابة الذاتية وإتباع الجرأة في تعرية الذات وتجاوز القيود وخلق إبداعات حداثية تفرض وجودها في الواقع الإبداعي المتحول.
8- التوصية الثامنة : الانتباه إلى دور التنشئة الاجتماعية في خلق أجيال حرة قادرة على تجاوز المحظورات الموروثة لإرساء ثقافة حداثيّة مجدّدة .
وختاما فإن أشغال الملتقى إن حرصت على إبراز تجليات الحداثة في إبداعات المرأة العربية في مجالات الفنون والآداب وغيرها فإنها سعت إلى إبراز المعيقات التي تواجهها واعتبرت أن الإبداع وإن كان فعل الذات الفردية للرجل والمرأة فإن الذات النسوية كلما اكتمل وعيها بحريتها ومسؤوليتها انفجرت كوامن إبداعها لتساهم في مسيرة الرقي الجمعية وحركة التجدد الحضارية مما يجعل منها عنوان الحداثة في مجتمعاتها.