تونس- العرب أونلاين- عبد المجيد دقنيش: احتضنت مدينة سوسة التونسية منذ أيام الدورة الرابعة عشرة لمهرجان المبدعات العربيات الذي تناول موضوع "حوار الحضارات وأثره في إبداعات المرأة العربية" وقد شاركت في هذه الدورة نخبة من المبدعات في مجالات أدبية وفنية مختلفة ومن جنسيات عربية متنوعة.
وقد توزعت الأشغال العلمية للملتقى على ست جلسات علمية تضمنت عشرين مداخلة ألقاها عدد من خيرة الباحثين والباحثات والمبدعين والمبدعات. كما نظم المهرجان على هامش الأشغال العلمية أنشطة ثقافية وترفيهية انطلقت يوم الاربعاء 15 ابريل بزيارة لمعالم أثرية بالمدينة العتيقة، كما انتظم في اليوم الموالي معرض للوحات زيتية من إنتاج الفنانة التشكيلية جميلة المعلاوي وانعقدت مائدة مستديرة حول حوار الحضارات دار فيها نقاش حر وعفوي حول واقع الحضارة العربية ومنزلة الفرد فيها في عيون الآخر الغربي.
كما انتظمت أيضا يوم الجمعة 17 ابريل حفلة موسيقية أحيتها مجموعة طوق الياسمين تلاها عرض أزياء من إنتاج طلبة المعهد العالي لمهن الموضة بالمنستير، كما أثثت السهرة مداخلات شعرية لشاعرات من تونس والبلدان العربية الشقيقة.
وعلى المستوى العلمي الأكاديمي تميزت المداخلات المقدمة بالثراء والتنوع وتوزعت بين شهادات عن تجارب ذاتية وعروض مهتمة بقضايا مفهومية تحاصر المدلولات الدقيقة لمصطلحات كالحوار والحضارة والذات والآخر والابداع، وأخرى متتبعة لآثار الحوار الحضاري في أعمال ابداعية سنوية في مجالات الأدب والموسيقى والدراما والفنون التشكيلية وذلك باستنطاق المحامل والنصوص وتقييمها وتحليل التجارب والمنتجات الابداعية ومدى حضور الأنا والآخر فيها.
وتناولت المداخلات الشروط الضامنة لقيام الحوار الحضاري وأهمها مثلما تبين من خلال الأشغال، معرفة الذات ومعرفة الآخر بإعلاء قيم التسامح والإيمان بحق الاختلاف والاعتزاز بالقيم الشخصية واحترام قيم الآخر. وشدد المتدخلون على أولوية التكافؤ والندية لانجاح الحوار الحضاري، وتقتضي الندية الايمان بجدارة كل الحضارات وثرائها وإلغاء السلميات التراتبية المصنفة للحضارات بمنطق القوة والضعف، كما تقتضي إلغاء الوسائط عند التعرف على الآخر وإلغاء العقد في التعرف على الذات ومحاسبتها وإغنائها بالمعارف والعلوم لكسب أهلية المحاور ومصداقيته وشرعيته.
وركزت المداخلات على دور الابداع في تحقيق التواصل بين الحضارات بوصفه لغة عالمية لا تحتاج إلى مؤهلات خصوصية لفهمها وبوصفه السفير الأمثل الضامن للتقارب والتفاهم بين شعوب الأرض لأنه المخاطب لانسانية الانسان بصرف النظر عن لونه وعرقه ودينه، والمحرك للمشاعر البشرية بعيدا عن منطق التطرف والعنف والكراهية والاقصاء.
ولذلك سعت المداخلات إلى تتبع دور الابداع في تحقيق قيم الحوار الحضاري فاهتم بعضها بالنصوص الأدبية رواية وقصة وشعرا ورصدت فيها ملامح الحوار الذي لم يخل أحيانا من تعثر واستلاب، وتتبعت دور الترجمة بوصفها أداة من أدوات الحوار بين الثقافات، واهتم البعض الآخر بالموسيقى مستشهدا بنجاح أنماط موسيقية موغلة في الخصوصية الثقافية في تحقيق الانتشار العالمي وتجاوز حدود الحضارات المتفاصلة كموسيقى الأفارقة السود وموسيقى الراي الجزائرية بما يشهد على عالمية لغة الأوتار وتأهلها لأن تكون خير أداة للحوار الحضاري.
ولم تهمل المداخلات دور السينما في ترويج القيم الحضارية باعتبارها تحاكي الحياة المعيشة وتنقل فكر المجتمع وثقافته وهمومه مما يحملها مسؤولية ترسيخ مقومات الهوية وتأصيل الكيان الحضاري لاسيما أنها مكلفة بمعالجة أخطر تقنيات التواصل والاتصال وهي الصورة بما لها من دلالات سيميائية يستغلها الفن التشكيلي ليكون بدوره وسيطا حضاريا متميزا بين الشعوب إذ ينقل عنها خصوصيات هويتها الذاتية دون تشويه ولا تجميل.
وشددت الباحثات على أهمية الصدق في مجال ابداع المرأة لما لها من لمسة متميزة فهي أكثر ميلا إلى التفاصيل الانسانية وأقل تشنجا وعصبية فيما يتعلق بمسائل الهوية وهوما يؤهلها لأن تكون ذات مسؤولية جسيمة في مجال الحوار الحضاري. كما أشارت بعض المداخلات إلى أن المرأة المبدعة منذورة لأن تكون ضمير الانسان العربي، وبحكم أنها سلمية في طبيعتها موكول إليها ضمان استمرار القيم النبيلة مما يجعل الحوار والتقارب والسلام ضمن أوكد مشمولاتها.
ولم يفت المشاركين في أشغال الملتقى أن يشيروا إلى الصعوبات التي تعسر اضطلاع المبدعة العربية بمسؤوليتها في مجال الحوار الحضاري وهي صعوبات بعضها ذاتي متعلق بتفاوت هامش الحرية التي تحظى بها المرأة في الدول العربية وبعضها موضوعي متصل بالوضع العالمي الراهن وشيوع قيم العولمة المسطحة للتنوع والمقصية للاختلاف، وانتشار الخوف المرضي من الاسلام والمسلمين وتشوه صورة العربي المسلم في بعض وسائل الاعلام الغربية فضلا عن صعوبة ترويج الابداع العربي الأصيل المنفلت من المقاييس الجمالية الغربية.
هذا فضلا عن ضعف الحوار الحضاري الداخلي بين الشعوب العربية المنتمية إلى أصول مختلفة والمفتقرة إلى معرفة حقيقيّة بالخصوصيات الثقافية المتميزة لكل منها وضعف الحوار الداخلي بين أجيال الأمة العربية التي صار شبابها ينعت ظلما بالانبتات والميوعة، وصار كهولها ينعتون ظلما بالتخلف والرجعية. وقد أبرز التقرير الختامي لأشغال الملتقى جملة من التوصيات نذكر من بينها.
- مراجعة المناهج التعليمية مضمونا وأسلوبا بما يضمن امتلاك الطفل العربي لزاد ثقافي متأصل في الهوية الحضارية ومنفتح على العالم الخارجي بالتعويل على وسائل بيداغوجية ترسخ ثقافة الحوار وتقطع مع سنن الاملاء والتلقين وترأب الصدع بين الأجيال.
- تكثيف اللقاءات والمؤتمرات والندوات بين البلدان العربية فيما بينها من أجل تشكيل مفاهيم مشتركة نابعة من الخصوصيات الذاتية وبما يمكن من تعميق التعارف العربي الداخلي والاستفادة من الكفاءات المحلية.
- دعم العلماء والباحثين والأكاديميين في الجامعات ومراكز البحوث لانجاز بحوث ميدانية وتطبيقية تتعلق بحوار الحضارات.
- وضع خطة لتفعيل الحوار الحضاري من خلال تجويد استخدام الوسائل الاتصالية الحديثة مع خلق مراصد لالتقاط المغالطات بشأن الحضارات والأديان واتخاذ الاجراءات اللازمة لاصلاحها.
- تشجيع سن قوانين دولية لفائدة الحوار الحضاري ولمقاومة تشويه صورة الآخر في وسائل الاعلام وفي الكتب المدرسية والمناهج التعليمية.
- ضرورة تضافر جهود السلطات السياسية والمنظمات الدولية لدعم آليات التواصل والتبادل وإشاعة ثقافة الصداقة والسلم.
وقد انبثق عن هذا الملتقى أيضا نداء سوسة بأن حوار الحضارات واجب إنساني وشرط للتعاون الايجابي البناء من أجل تعايش سلمي وقيم ثابتة مشتركة بين البشر ومن أجل حضارات لا تحدها حدود.
وبذلك يكون هذا الملتقى في دورته هذه قد استطاع أن يحقق أهمّ أهدافه وهو إثراء النقاش والتحفيز على الحوار والاستماع إلى مختلف وجهات النظر في انتظار ما ستختاره الهيئة المديرة موضوعا للدورة القادمة التي نرجو أن تحقق النجاح الذي حققته هذه الدورة.
المصدر : العرب أولاين